Manfred Bleuler مانفرد بلويلر
ولد مانفرد بلويلر عام 1903في شقة والديه في عيادة برغولزي الشهيرة للطب النفسي في زيورخ. كان والده يوجين (1857-1929) مديرا للعيادة خلال الأعوام 1889-1929، وهو ينحدر من عائلة مزارعين كانت تقطن إحدى القرى الريفية الصغيرة، أضحت اليوم من ضواحي مدينة زيورخ. كان حلم والدي يوجين أن يعمل أبناءهم مكان المثقفين من أصول أرستقراطية الذين كانوا يشغلون أعلى المراكز في المدينة وجامعتها الحديثة العهد منذ افتتاح عيادة برغولزي العام 1870 كقسم تابع للجامعة، كان تقريبا جميع من عمل البروفسورات من الأجانب، مما كان يشغل بال أهالي زيورخ في كيفية التعامل مع هؤلاء الأساتذة الذين لا يتحدثون لهجتهم الألمانية-السويسرية. وفوق ذلك كان بعض الأساتذة مثل البروفسور غادن والبروفسور هيتزيغ أكثر اهتماما بالأبحاث، وبخاصة الأبحاث حول باثولوجيا الدماغ، من الاهتمام برعاية المرضى. ومن ثم كان أمل الأهالي أن يتبوأ رئاسة العيادة أحد أبنائهم، بمقدوره الاهتمام بمعاناتهم ويستطيع التحدث بلغتهم الأم ولعل يوجين الشاب، وقد نشاء في ذلك الجو، وجد حافزا لكي يصبح طبيبا نفسيا. وأنصب اهتمامه الرئيسي أن تغدو العيادة ذات رسالة في ميدانها، تمكنها من دراسة المحتوى العقلي للمرضى، والعمل على تكوين حياة مفعمة بالحيوية النفسية لهم، وبوسعهم في ذات الوقت إدراك كنهها. وقد نشر يوجين بلويلر خلاصة تجاربه عام 1911 في كتابه العـتــه المـبــكر Dementia Praecox- oder Gruppe der Schizophrenia وللمرة الأولى صير إلى اعتبار المريض العقلي مخلوقا آدميا، وجرى التعامل معه بناء على ذلك، وبهذا حقق يوجين بلويلر تطلعات أهالي مدينته، مما أكسبه شعبية كبيرة في أوساطهم ولكن يجدر بنا ملاحظة أنتلك كانت فترة ازدهار خلاق للطب النفسي، فبافلوف و كرافت ايبنغ و كريبلين و فرويد و يونغ و آدلر و ماير، كانوا جميعهم من معاصري يوجين بلويلر وكانت والدة مانفرد هيدفيغ فاسر Hedwig Wasser (1869-1940) تحمل دكتوراة في الفلسفة وتقوم بتدريس اللغة والتاريخ في كلية البنات في زيورخ، فكانت نشأته إذا في محيط ملائم ثقافيا، كما كان خلال سني دراسته كان على احتكاك بالمرضى عن قرب بحكم سكناه في شقة والديه بالعيادة كان مانفرد خلال سني الدراسة الابتدائية والثانوية يذهب إلى مدرسته ويعود منها أربع مرات يوميا، سيرا على الأقدام أو على دراجة هوائية، مما أكسبه بنية جسدية لائقة طوال حياته. نال مانفرد الشهادة المعادلة لدرجة البكالوريوس في العلوم عام 1921، مما أهله للالتحاق بمدرسة الطب في جنيف أولا ثم في زيورخ، التي تخرج منها حاملا شهادة الدكتوراه في الطب عام 1928، ثم عمل كطبيب مقيم في أحد الأقسام الجراحية إلى العام 1934، غير أنه في واحدة من هذه السنوات الأربع انشغل بدراسة الطب النفسي لا الجراحة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في أكثر من مستشفى في بوسطن ونيويورك حيث عمل في مستشفى نيويورك مع البروفسور ديتهيلم بين عامي 1929-1930 Oscar Diethelm وأعتبر بلويلر تلك السنة الأخصب إنتاجا في حياته تعرض مانفرد لحادث خطير خلال تسلق الجبال سنة 1932 أدى إلى كسر عمود العنق الفقري، ونجم عن نزيف الحبل الشوكي إصابته بشلل نصفي أسفل تام، ولكنه خلال فترة النقاهة لم يقعد خاملا، بل عمل طبيبا مقيما في وحدة الطب النفسي للأطفال التابعة لجامعة زيورخ، مضطرا لترك تخصصه الأول، الجراحة، بسبب تشنج في الجانب الأيسر من الجسم. وبين عامي 1933 و 1938 عمل بلويلر رئيسا للعيادة النفسية في إحدى مستشفيات الألب السويسرية، وفي عام 1938 حصل مانفرد بلويلر على وضيفة رئيس الأطباء في العيادة النفسية في مدينة بازل وحصل على درجة محاضر
Privatdozent (lecturer) في الطب النفسي من جامعة بازل. وأثناء الحرب العالمية الثانية خدم كجراح كتيبة في الجيش السويسري، وفي عام 1942 أضحى بروفسورا للطب النفسي في جامعة زيورخ ومديرا للعيادة الجامعية للطب النفسي- البرغولزي، أي في نفس الموقع الذي شغله والده الشهير من 1889 إلى 1929. وعيادة برغولزي هذه عبارة عن مستشفى ضخم للأمراض النفسية، ويؤوي مرضى غالبيتهم يعانون من حالات ذهان حاد، وكثير منهم ذي مرض مزمن. وتضم العيادة كذلك قسما كبيرا للمعاينة الخارجية ومركز للرعاية الأسرية ووحدة خاصة بطب نفس الأطفال. وفي العقود الأخيرة ازدهر البحث العلمي في البرغولزي، وبخاصة الأبحاث في علم العقاقير النفسية Psychopharmacology تقاعد البروفسور بلويلر من هذا العمل عام 1969، وعندما كان يستعيد ذكريات تلك الحقبة كان يقول: خلال السبعة عشر عاما ونصف العام التي قضيتها مديرا للعيادة، كنت أمضي كل وقتي مع المرضى ومع الطلاب، ومع بعض البحوث. وبعد تقاعده غدا بلويلر أكثر نشاطا مما كان، إذا جاز التعبير عن الأمر هكذا، فبتخلصه من المهام الإدارية، والتي لم تمتعه يوما، استطاع أن يكرس كل وقته لمعاينة المرضى وإجراء الأبحاث والكتابة، وكذا التنقل لإلقاء المحاضرات في شتى بقاع العالم. وكان عضوا في أبرز الجمعيات العلمية الهامة، وحاصل على العديد من الدرجات الفخرية والتقديرية، ولكنه لم يكن يحب التحدث هول هذه التشريفات والتقديرات ورغم اهتمامه الرئيسي بالمرضى وبالتدريس وإعداد الاختصاصين الشبان، فقد كان يجد ما يكفي من الوقت للعمل العلمي والبحث، وكان باحثا متميزا، وكاتبا مبدعا. وقد تمثلت فعالياته البحثية بشكل رئيسي في الحقول التالية أولا: المدى الطويل للذهانات الفصامية، والعوامل التي تتدخل بالتأثير في هذا المدى كالمعالجة والعلاقات الأسرية والرضا في الحياة المهنية وغيرها من أوجه النشاط الحياتي، وغيرها ثانيا: دراسات حول الباثولوجيا النفسية لمرضى الغدد الصماء، ودراسة الهرمونات لدى المرضى النفسيين ثالثا: مراجعة الطب النفسي المقرر دراسته على طلاب المدارس الطبية وغني عن القول أن كتاباته وأبحاثه كانت تنشر في أبرز الدوريات والمجلات العلمية، وتوجد مساهماته الرئيسية في دراسة الفصام في كتابه المترجم إلى الإنكليزية عام 1978 The Schizophrenic Disorders: Long-Term Patient and Family Studies ودراساته الإيندوكرينولوجية يمكن إيجادها في كتابيه Endokrinologische Psychiatrie 1954 Psychiatrie der Gegenwart 1979 وتوجد خلاصة مراجعته للطب النفسي ملخصة في الطبعات السابعة حتى الرابعة عشرة لكتاب والده الشهير الذي قام مانفرد بلويلر بتحريرها خلال الأعوام 1942- 1979 ويعتبر مانفرد بلويلر رائدا من رواد الاتجاه الهرموني في لطب النفسي، بل رائده الأول لقد كان الطب النفسي في منعطف القرن التاسع عشر ما يزال يتخبط في دياجير الظلام: كتب يونغ في عالم الطب في ذلك العهد، كان الطب النفسي يعامل عموما باحتقار. ولم يكن ثمة من يفقه عنه شيئا في الحقيقة، ولم يوجد علم نفس ينظر إلى الكائن البشري ككل متكامل....وكان المرض العقلي مسألة ميئوس منها وقاتلة، وهو الأمر الذي كان يلقي بظلاله على الطي النفسي في ذات الوقت
أدخل فرويد علم النفس إلى الطب النفسي، وقام يوجين بلويلر بتطبيقه في معالجة المرضى العقليين. لقد نبذ يوجين بلويلر الأطروحات القدرية لكريبلين و موريل حول العته المبكر بوصفه مرضا وراثيا، وكتب عام 1908 أن ما يسبب الشيزوفرينيا هو انفصام في الوظائف العقلية، فبعد 12عاما من ملاحظة ودراسة المرضى، وقد عاش وسطهم فعلي، قام بصك المفهوم الجديد: الشيزوفرينيا، 1911، معلنا أنه مرض يمكن شفاءه إذا جرى التعامل معه بالطريقة الملائمة وقد تابع مانفرد بلويلر الطريق الذي أختطه والده. لقد أغنى فهمنا للفصام وسلحنا بوعي جديد كما أمدنا بالتفاؤل الفياض حول في الطب النفسي كمهنة ذات غايات نبيلة
بتصرف عن Nicholas S. Russinovich, in Psychiatry …Trends for the 80's
Your text goes here.
|